الشيخ محمد علي طه الدرة

183

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

مضوا . ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسّنين وشدّة المؤونة ، وجور السّلطان عليهم . ولم يمنعوا زكاة أموالهم ؛ إلا منعوا القطر من السماء ، ولولا البهائم ؛ لم يمطروا . ولم ينقضوا عهد اللّه ، وعهد رسوله ؛ إلا سلّط عليهم عدوّا من غيرهم ، فأخذوا بعض ما في أيديهم . وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب اللّه تعالى ، ويتخيّروا ممّا أنزل اللّه إلّا جعل اللّه بأسهم بينهم » . رواه ابن ماجة ، وغيره . وعن ثوبان - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها » فقال قائل : ومن قلّة نحن يومئذ ؟ قال : « بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنّكم غثاء كغثاء السّيل ، ولينزعنّ اللّه من صدور عدوّكم المهابة منكم ، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن » . فقال قائل : يا رسول اللّه ! وما الوهن ؟ قال : « حبّ الدنيا ، وكراهية الموت » . أخرجه أبو داود ، وأحمد ، وغيرهما . وعن عبد اللّه بن عمر - رضي اللّه عنهما - قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إذا تبايعتم بالعينة ، وأخذتم أذناب البقر ، ورضيتم بالزّرع ، وتركتم الجهاد في سبيل اللّه ؛ سلّط اللّه عليكم ذلّا لا ينزعه حتّى ترجعوا إلى دينكم » . أخرجه أبو داود . ومن قول عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - : نحن قوم أعزّنا اللّه بالإسلام ، إذا طلبنا العزّة بغيره ؛ أذلّنا اللّه . وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ أي : انقلبوا ، ورجعوا بغضب من اللّه ؛ أي : لزمهم ذلك ، وصاروا أحقاء به ، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث سيد الاستغفار : « أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي » أي : أعترف بنعمتك عليّ ، وأرجع بذنبي إليك ، لتغفره لي . وقال تعالى في سورة ( المائدة ) حكاية عن قول هابيل لأخيه قابيل : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ رقم [ 29 ] ، وأصله في اللغة الرّجوع ، ومثله « آب » بتقديم الهمزة على الباء ، وقال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته رقم [ 77 ] : [ الوافر ] فأبوا بالنّهاب وبالسّبايا * وأبنا بالملوك مصفّدينا أي : رجعوا ، ورجعنا . وقد تقدّم معنى « الغضب » في سورة الفاتحة . ذلِكَ إشارة إلى الذلّة ، والمسكنة ، والغضب . بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي : بسبب كفرهم بآيات اللّه ، أي : بالتوراة ، أو بالمعجزات التي أجراها اللّه على يد موسى تأييدا لنبوّته ، وتقوية لحجّته وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ مثل : يحيى ، وزكريا ، وشعياء . فعن عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - ، قال : كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمئة نبي ، ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النّهار . رواه أبو داود الطيالسي ، بمعنى : لا يهمهم ذلك ، ولا يكترثون به ، ولا يحسبون له حسابا ، وكلمة « في اليوم » لا تعني كلّ يوم ، ولكن في بعض الأيام ، وعن ابن مسعود - رضي اللّه عنه - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة رجل قتله نبي ، أو قتل نبيّا ، وإمام ضلالة ، وممثّل من الممثّلين » أخرجه الإمام أحمد في مسنده . وهذا الحديث قاله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين طعن أبيّ ابن خلف في غزوة أحد ، وكان ذلك سببا لموته .